اللاهوت الشيوعي و الأصولية ... محمد كمال
اللاهوت الشيوعي و الأصولية

(( لا تكمن الأزمة الراهنة التي تعصف في البناء الاجتماعي العربي عامة والسياسي خاصة في الأيديولوجيات اليسارية ، أو في الأيديولوجية الدينية ، بل تكمن أولاً وأساساً في الطبقة أو الشريحة التي تنطحت لتنفيذ المشروع الثوري اليساري أو اليميني ، الديني أو الشيوعي ، الوطني أو القومي ، الجمهوري أو الملكي .. الأزمة تكمن في تكوين ودور وآلية عمل شريحة المثقفين من طبقة البرجوازية الصغيرة التي وجدت نفسها في مقدمة القوى الاجتماعية بسبب التحديث المشوه الذي فرضته الرأسمالية العالمية على بلدان العالم الثالث
في هذا القسم سنحاول أن نعرض جوانب من هذه الأزمة ، من خلال مقارنة بنيوية بين الشيوعية والأصولية بشكل خاص . ))
محتويات القسم الأول :
1. الشيوعية والرأسمالية في الممارسة الفعلية
2. حقيقة دعوى الإصلاح ( الأيادي النظيفة في ديمقراطية الفساد )
3. الفاشية الثورية
4. الإقطاع السياسي
5. الديانة الماركسية
6. ديمقراطية ديسبوزابل ( تستعمل لمرة واحدة )
يبدو أن من يطيلون الجلوس على مقاعد الدراسة ، يصابون بشيء من عسرة النمو ، فيحتفظون بدرجة من الطفولية والصبيانية والمراهقة تلازمهم طوال حياتهم ، وتتناسب مع مقدار استغراقهم وتأثرهم بسنوات الدرس .. تعود هذه المراهقة والصبيانية للظهور عند المناضلين أو المجاهدين ، وكذلك عند السياسيين والقادة والأئمة الذين قدرت الأيام وارتفعوا إلى سدة الحكم ، وهي ظاهرة تستفحل في دول العالم الثالث التي لا تستعمل التعليم بقصد تحسين المهارات الإنتاجية ، بل بدوافع أيديولوجية تتعلق بتبرير مشروعية السلطة المستبدة أو بتعزيز وتدعيم الطبقة السياسية الحاكمة وتوسيع قاعدتها .
فعلى مقاعد الدراسة .. يجلس طلاب ينتظرون بفارغ الصبر نهاية تعليمهم والتحاقهم بمؤسسات المجتمع والدولة التي هي بأمس الحاجة لجهودهم في عملية (البناء والتحديث ) . وبواسطة التعليم ستتم عملية تجديد المجتمع وإخراجه من حالة الركود والتخلف ... و بواسطة خريجين مؤدلجين ، ستنطلق الحركة السياسية المؤدية إلى الحداثة والتقدم . إنهم طلاب لا يهتمون كثيراً ( كما لا تهتم الإدارة أيضاً) بتفاصيل العلوم التي يدرسونها ، ولا في مستوى تحصيلهم النظري أو خبرتهم العملية ، طالما أنهم سيعملون في النهاية كمديرين وليسوا كمنتجين .. كسياسيين يجيدون القراءة والكتابة وإلقاء الخطب والمحاضرات عن الحداثة والمجتمع والتقدم والعدالة وعن التطور العلمي والأصالة أيضاً ، أو كأئمة يجيدون استعمال الخطاب الديني ، ويطبقون شكلياته بدقة … طلاب يعرفون مسبقاً أن التعليم مجرد وسيلة للدخول إلى عالم السيادة والسلطة ، ويعرفون أن الشهادة ليست أكثر من وثيقة تستعمل فقط في أوراق التوظيف ، تفتح أمامهم الطريق نحو المناصب الرفيعة في الدولة والسلطة ( الحاكمة بغض النظر عن إرادة الشعب ). فالمدارس والمعاهد من وجهة نظر سياسة التعليم السائدة ، هي مجرد مداجن لتفقيس أيديولوجيين ثوريين أو أئمة متديّنين ، يريدون تطبيق أفكارهم على بلدانهم و شعوبهم ، مستخدمين المناهج العقلية أو المذاهب الفقهية التي تعلموها ، ومكررين نفس الوسيلة التي رفعتهم فوق مستوى بقية مواطنيهم أي القراءة في الكتب وتحصيل العلم ، التي جعلتهم من طبيعة خاصة متميزة ترشحهم للحصول على امتيازات خاصة أيضاً فوق مستوى الشعب الجاهل أو الكافر .. طالما أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، فاللذين يعلمون لهم الحق في احتكار السلطة وتعليم من لا يعلمون من بقية الشعب الجاهل .
من زملاء المقعد الواحد والصف الواحد تمايز شبان كانوا يتنافسون على النجاح ، وصاروا يتنافسون على المناصب وعلى الحكم ، إنهم جميعاً متشابهون ، متشابهون في كل الظروف والإمكانيات ، وفي الموقع والدور والطريقة والوسيلة والغاية ، ومختلفون في اللون الأيديولوجي الذي يلبسونه في معركتهم من أجل السلطة ، إنهم أشبه بفرق مختلفة تلبس ألواناً مختلفة لكنها تلعب لعبة واحدة ذات قانون واحد هو الثورة الانقلابية ، ويتبارون على كأس واحدة هي ملكية السلطة الاستبدادية ، التي تتحكم بالدولة والوطن والمواطن ، وتسخرهم جميعاً لخدمة مصالح نخبة أو ربما عصابة متحالفة متآزرة .
وبسبب ذلك التشابه الكبير القائم بين الحركات الشيوعية والأصولية ، نرى أنه لا بد من دراسة الأولى لفهم الثانية ؟ تلك الدراسة التي لن تكون في مستوى الفكر النظري فقط ، بل قبل ذلك في مستوى الممارسة و الوجود العملي ، في مستوى التكوين ومستوى الرغبات والسلوك ، ثم في الأساليب والغايات الفعلية ، ومن خلال الأمثلة الحزبية التي شاهدناها وعايشناها .. وبلغة السياسة الأبسط و الأقرب إلى عقل الشارع الذي ما يزال الكثيرون يترفعون عن النزول إليه .
1- الشيوعية والرأسمالية
في الممارسة الفعلية والتجربة التاريخية المعاصرة :
لقد كان لتماسك النظام السياسي - الثقافي في الكثير من البلدان ذات الأثر الذي يحدثه الضعف الاقتصادي البنيوي في تأخير التحول الرأسمالي ، أو لنقل عرقلة تطور ونمو علاقات إنتاج جديدة وسط القديمة ، في حين سمح ضعف النظام السياسي - الثقافي ، وبوجود إمكانية اقتصادية ، في بعض البلدان بتطور سريع لعلاقات جديدة ومختلفة سميت علاقات الإنتاج الرأسمالي.. وهكذا كان من الطبيعي أن تنتصر الثورات الرأسمالية في بعض البلدان قبل غيرها ، بالنظر إلى تفاوت نضج الطبقات البرجوازية الصاعدة فيها ، وتفاوت قدرة النظم الإقطاعية المختلفة على مقاومة تلك الثورات المتفاوتة القوة أيضاً .. وبالتالي كان طبيعياً أن تتقدم دول على دول أخرى في مسيرة التطور الرأسمالي . وكان طبيعياً أيضاً أن تضيق الحدود القومية عاجلاً أم آجلاً أمام التنامي الرأسمالي القومي السريع ، فتضطر الرأسماليات القومية للخروج خارج بلدانها ، مما يؤثر على بلدان أخرى ، ويجعل تاريخ تلك البلدان ليس محكوماً فقط بتطور قواها الداخلية ، بل أيضاً واقعاً تحت تأثير ضغوط قوى خارجية تزداد قوة وعدداً . فإذا كانت الأسباب الداخلية قد ساهمت في تأخر هذه الدولة عن الإمساك بخيوط التحول والتطور الاقتصادي الرأسمالي في باكورته ، فإن هذا التأخر ما كان ليسبب هذا الفارق الضخم ، لولا جنوح الدول التي سبقت إلى فرض هيمنتها على دول أخرى تحت تأثير حاجتها الدائمة للتوسع .
وكان طبيعياً أن تتسابق الدول الرأسمالية المتقدمة ( العالم الأول ) على السيطرة على مناطق أوسع فأوسع من العالم ، وأن يحتدم بينها التنافس ويزداد لدرجة إعلان الحروب ، وطبيعياً أيضاً بالتالي أن تجد الرأسماليات المتأخرة عنها ( دول العالم الثاني ) صعوبة متزايدة في ميدان التنافس هذا ، وبالتالي في ميدان التطور والنمو الذاتي الداخلي والخارجي ، مما يبقيها داخل أزمة وعجز مستمرين ويعرضها للتوتر الداخلي ، ويدفعها مرة تلو المرة للتصادم العنيف مع غيرها من الدول التي سبقتها في هذا المضمار ، وسدت عليها الطريق . في حين تعاني بقية الدول المتأخرة أكثر في مسيرة التحول الرأسمالي( دول العالم الثالث ) من عجز مطلق عن هذا التحول ، في الطريق التقليدي ، و ستضطر لسلوك طرق أخرى نحو الرأسمالية ، مختلفة كثيراً عن الطرق التي سلكها العالم الأول والثاني المتقدمين ، وستضطر لبناء رأسماليات مختلفة أيضاً ، أو بالأصح مشوهة تحت ضغط الهيمنة الجبارة من قوى أخرى خارجية .
وتحت ضغط المنافسة الشديدة بين دول العالم الأول ودول العالم الثاني التي أجبرت على البقاء مأزومة داخل حدودها ، نمت وترعرعت الأفكار القومية العنصرية والأيديولوجيات الفاشية التي تطمح لإقامة السلطات الشمولية ، القادرة على كبح الصراع الداخلي بين البرجوازية التي سُدَّت أمامها الطرقات ، والبروليتاريا المتذمرة والمُهَددة بالثورة والتمرد بسبب ضيق أحوالها . تهدف هذه الأفكار والأيديولوجيات للقفز فوق الخلافات الداخلية وتوحيد الجهود وتوجيهها نحو الخارج ، وتوظيفها في المعركة العسكرية التي صارت ضرورية ولا بد منها لفرض احترام الأمة ورد هيبتها وحصولها على حصتها اللائقة بها فوق سطح الأرض .. عبر التركيز المفرط على الانتماء القومي (العنصرية ) والتأكيد على ضرورة هيمنة الدولة الشمولية العسكرية التي تعمل لمقتضيات المصلحة القومية العليا التي تقدرها فقط أجهزة ومؤسسات هذه الدولة البيروقراطية ، التي أعلنت حالة الطوارئ وأدارت ظهرها لكل ما يعيقها عن تحقيق نصرها العسكري الذي لابد منه للخروج من الأزمة الخانقة التي تهدد المشروع البرجوازي الوطني ، في دول المعسكر الرأسمالي الثاني ، التي وجدت نفسها تخضع لديكتاتوريات عسكرية شديدة التنظيم ، قادرة على توظيف كل المقدرات الوطنية في معركة المصير ، معركة التنافس من أجل الهيمنة على العالم .
ففي حين أدى اصطدام الدول الرأسمالية القومية الأضعف ( العالم الثاني ) مع الدول الرأسمالية التي سبقتها وأغلقت عليها الطريق ( العالم الأول ) إلى تأجيج صراعات دولية عنيفة واندلاع حروب عالمية مرعبة ، وأجبر دول الصف الثاني ( العالم الثاني ) على التحول إلى العنصرية و الفاشية ... فإن الدول الأكثر تخلفاً ( العالم الثالث ) ستعاني من عسرة التحول الرأسمالي ذاته أو من تشوه هذا التحول بسبب الهيمنة الاستعمارية ، وبالتالي ستعاني من ضعف الطبقات البرجوازية ومن ثم عجزها عن تحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية ، تلك المهام التي تحملها عادة الطبقات البرجوازية الصاعدة نحو السلطة في مواجهة النظم الإقطاعية البطريركية القديمة ، أي ستعاني دول العالم الثالث من عسرة التحول إلى أمة رأسمالية حديثة ، مما سيدفع بطبقات أخرى تضخمت ونمت بسبب التحول الرأسمالي المشوه والبطيء ، لقيادة وتسريع هذا المشروع ، أي مشروع بناء الدولة والاقتصاد والمجتمع الحديث بطرق أخرى ووسائل أخرى تختلف كثيراً عن وسائل وطرق البرجوازيات التقليدية ، التي كانت هزيلة في تلك البلدان ، والتي تعتمد أساساً على تطور طبيعي وتلقائي لمؤسسات المجتمع المدني ، لتحل بشكل تدريجي وسلس مكان مؤسسات المجتمع الأهلي ، فتنتقل السياسة من النموذج الإقطاعي الاستبدادي ، للنموذج الوطني الديمقراطي . .
فإذا سعت الرأسماليات القومية المهزومة في معارك التنافس الاستعماري ( والأسيرة ضمن حدودها ) إلى إعادة بناء الدولة والأمة والاقتصاد بما يتناسب مع تشكيل قوة عسكرية جبارة تستطيع تحقيق النصر العسكري المطلوب لفتح الطريق أمامها نحو العالم ، و مالت هذه الرأسماليات القومية المهزومة ( العالم الثاني ) إلى التأكيد على ضرورة الدولة الشمولية العسكرية الفاشية ، فإن الطبقات البرجوازية الضعيفة في دول العالم الأكثر تخلفاً ( العالم الثالث ) ، بقيت عاجزة عن إنضاج ثورتها ، وبقيت أسيرة نظام سياسي إقطاعي في الداخل وهيمنة استعمارية من الخارج ، يفرضان عليها وعلى بلدانها نمواً مشوهاً وإفقاراً مستمراً ، وبالتالي بقيت عاجزة عن إقامة القاعدة الاقتصادية الصناعية اللازمة ، لتعميق التحول الطبقي ولقلب التوازنات السياسية التقليدية وبالتالي لنجاح التحول الرأسمالي ، الذي يؤدي لبناء الدولة - الأمة المدنية الحضارية الحديثة . وبالتالي سيدفع هذا العجز ببرجوازيات أخرى ((صغيرة )) لخطف الراية ، وقيادة مشروع التحول هذا نحو أمة حديثة ، بأسلوب وأيديولوجية مختلفة تماماً عن أسلوب و أيديولوجية البرجوازيات (( الكبيرة )) ...
كانت الأزمات المستمرة والفقر والتخلف ، والعجز عن تأمين متطلبات الحياة ، في المجتمعات التي بدأت تنفتح على الحياة الحضارية ، والهزائم العسكرية المخزية ، كلها تعمل مجتمعة على إثارة التمرد والعصيان و تأجيج مشاعر الحقد والسخط على البناء الاجتماعي السياسي ، في البلدان التي تخلفت عن الركب الرأسمالي . حيث تشكلت في مدنها شرائح طبقية مختلطة ، تتمحور حول الشباب المتنور الذي يريد السير نحو الأمام وبسرعة في عمليات التحديث ، و يريد بناء الوطن العصري على شاكلة الدول المجاورة وربما أفضل منها ، ( ولم تكن تلك الشرائح الشبابية تملك سوى الإرادة ، ولم تكن تملك الوسائل ولا وضوح الطريق لذلك سرعان ما طورت منظرين نظريين أشبه برسامين يرسمون أحلامها الجميلة على صفحات الكتب الثورية ) ومع ذلك فقد تمتعت هذه الشرائح بدعم وتأييد القطاعات الأوسع من سكان المدن و الفلاحين . وكانت تعبر عن خيبة أمل من اكتشفوا أن البرجوازية التقليدية (التي يفترض بها أن تكون هي صاحبة مشروع التقدم والحداثة وحاملته )، كانت ضعيفة وهزيلة ومهادنة ، وفاقدة لكل طموحاتها ، والذين بعد خيبة أملهم وجدوا شيئاً فشيئاً في الشرائح المثقفة من البرجوازية الصغيرة بديلاً يجب أن يتنطح ، لقيادة هذا المشروع الوطني الثوري التحديثي عبر تجاوز الطبقة البرجوازية التقليدية الضعيفة والخائنة ، وبالاستغناء عن قاعدتها الرأسمالية الصناعية المفقودة ، والتي يمكن تعويضها برأسمالية دولة يتم بناؤها وفقاً لمتطلبات التقدم والنمو ( دون الحاجة إلى أولئك الذين ارتضوا الذل والهوان لبلدانهم مقابل منافعهم الخاصة الضيقة ، بل عبر مصادرة ما / سرقوه / من جهد الشعب وإعادته إلى مالكيه الحقيقيين ) وبالاعتماد على قوى تتكفل بتحقيق مهام الثورة الوطنية الديمقراطية والاشتراكية معاً ، متسلحة بالوعي وبالتأييد الجماهيري وبالوضوح النظري و الفعالية العملية ، وقبل كل ذلك بالإرادة الثورية الصلبة . كل تلك الصفات هي طبعاً حسب تعبير الأيديولوجية الثورية التي بدأت تتبلور في تلك الظروف وتلك البلدان ..










