محمد كمال

الإسلام و الإرهاب

 

توضع على الغلاف الخارجي في الخلف

(( إن ربط الإرهاب بالإسلام عملية غير مفيدة ،  لأن ما يطلق عليه اسم الإرهاب الإسلامي مرتبط أساسا بالتخلف والظلم والتعسف والجهل والفقر والإذلال الذي تعرضت له الشعوب المسلمة ، والعيب ليس في الإسلام كدين بحد ذاته ،  حتى لو وجدت بعض المجموعات في نصوصه ما يمكن استخدامه لتبرير سلوكها العنيف ، أو  تبرير ردود الفعل العنيفة في مواجهة الطغيان .

كما أن من يطلق عليه اليوم صفة الإرهابي لا يتحرك تحت تأثير  شخصية إجرامية مريضة( psychopathic )  ، بل تحت تأثير  معاناة مريرة ولدت لديه درجة من التوتر  ، ثم قام باستعمال نمط من  المحاكمة العقلية  محكوم بمناخ فكري متزمت ومغلق (dogmatic) ، فهو لا يقتل الآخرين ليعيش بعدهم  ،  بل يموت معهم ...  وهذا  بالتأكيد مختلف عن سلوك ذلك الطاغية  الوحش الذي يصدر أوامره الإجرامية وهو يجلس خلف مكتبه آمناً ، ساعياً لتحقيق نزوات أنانية قذرة على جماجم الآخرين ، والذي لا يملك هو الآخر شخصية مرضية بل يحمل أخلاق متدنية ومنحطة ، وينضم لمؤسسة متوحشة ،  وهذا  هو الشكل الأخطر من الإرهاب ( الإرهاب المؤسساتي  السلطوي العلني ) ، و هو أيضا  السبب الحقيقي المولد للإرهاب السري  ، فمعظم ما يسمى بنظريات الإرهاب السري  كتبت في زنزانات التعسف والظلم والتعذيب الوحشي الذي يمارسه الإرهاب المؤسساتي .

في هذا الكتاب دراسة للبيئة  السياسية والاقتصادية  والبنية العقلية والفكرية والنفسية ، التي ولدت ثقافة الإرهاب ، وأنظمة الإرهاب ، ثم  أنجبت جيلاً من الشبان  يمتلئون  بالكراهية بدل المحبة ، ويسعون للموت بدل الحياة  )).

  

لقد أصبحت قضية ( الإرهاب الإسلامي ) / مع التحفظ على التسمية / ، القضية السياسية الأهم في العالم ، بعد أحداث 11 أيلول 2001 ، ومع ذلك ما تزال كل التحليلات المطروحة ، بحاجة للتحرير من ضغط الأيديولوجية ، وبحاجة إلى التدقيق في نسبة أو ترتيب أهمية كل عامل يدخل في هذه الظاهرة ، وعليه ما نزال نختلف في طريقة المقاربة و طرق العلاج ، كما نختلف في توزيع المسؤوليات والأدوار .

ونحن ، لأننا  المسؤولون عن هذه الظاهرة ، (سبب  مسؤوليتنا : أنها نشأت عندنا وبيننا ومن ثقافتنا ، ويقوم بها أشقاء لنا نعرفهم ويعرفونا ونشاركهم لغتهم ودينهم ومعاناتهم ) ، ولأننا نمتلك الانتماء واللغة ، ونعيش نفس الظروف ، كان علينا أن نتقدم بوجهة نظرنا ..  نحن ، والتي أعتقد أنها ستكون أكثر صدقاً فيما إذا تجردنا عن رغباتنا ، و وضعنا جانباً  التوظيف الأيديولوجي الدعائي والتحريضي ، ونظرنا نظرة موضوعية متعقلة ومتوازنة .... كما هو علينا  أيضا المساهمة في الخلاص من هذه الظاهرة ، لأنها حسب اعتقادنا تسبب مشكلة كبيرة تؤرق  العالم و تسيء للإسلام ولا تخدم قضايا الشعوب التي تدين بدين الإسلام  .  

ومنذ البداية أعتقد أنه لا يكفي على الإطلاق  شن الحرب العسكرية على الإرهاب ، كما أنه لا يكفي قطع مصادر تمويله ، بل لا بد من التوجه في العلاج نحو  الأسباب ...  لذلك  يقع عملنا في إطار  البحث المعمق في صعيد الواقع الاجتماعي الاقتصادي والثقافي الذي هيأ مناخ وشروط تكون هذه الظاهرة  أقصد ( الإسلام الدوغمائي  العنيف )  .

وسوف نتجه مباشرة نحو الجانب العملي في موضوعنا ، ونهتم  بالنتائج  العملية . أي أننا سوف ننطلق من معطيات تعيش وتفعل وتؤثر ، ولا يهمنا كثيراً ما هو نظري بحت وليس له حيز وجود فعلي ،  لذلك لا يجب اعتبار عملنا عمل بحثي توثيقي في قطاع معرفي ما ، بل هو عمل فكري -  سياسي مباشر ،  يتجه نحو  مقاربة مشكلة واقعية معاشة وحساسة ، تؤثر على حياة مليارات البشر ، وهذا لا يعني عدم البحث المعمق في الفكر أو في الواقع ، ولا يعني عدم الحاجة إلى معرفة نظرية عالية ، نعتبرها ضرورية لفهم ظواهر الواقع المعقدة ،  والتي يرتبط فيها الثقافي بالاقتصادي بالسياسي ، ضمن منظومة المجتمع الحي الذي يعيد إنتاج مكوناته التحتية والفوقية ..

فالظاهرة الإسلامية  إذا صح التعبير  أو الصحوة الإسلامية ( وهي ليست كلها عنيفة ) ، أو أي تعبير يصف  دخول الإسلام بقوة إلى عالم السياسة . ليست بدون مبررات ومقومات اقتصادية واجتماعية وسياسية ، ولا هي منقطعة عن الثقافة و الفقه والتراث الديني الموروث ،  فعندما نتحدث عن ظاهرة سياسية بهذا الحجم لا بد أن نتعمق في بنيتها التحتية و مقوماتها الاقتصادية الاجتماعية  والثقافية .

ولكن قبل الخوض في الظاهرة الإسلامية وبشكل خاص الأصولية العنيفة منها , علينا التعريف ببيئة العنف والتزمت والاستبداد السائدة ، والتي جاء الإسلام العنيف كأحد تعبيراتها  أو ربما كنتيجة لها ..