العقل العربي قبل الإسلام
العقل العربي قبل الإسلام
لقد سبق وأن أكدنا، أن المقصود بالعقل، هو الكيفية في الأداء والنشاط، الذي يبذله الفكر الإنساني، نتيجة ما يتوفر له من معارف، ومعلومات، ونتيجة ما يتكون فيه من مبادىء ، وقواعد، تشكل في مجموعها المنظومة العقلية للفرد. وخلال السياق السابق، تم التأكيد على أن بنية العقل، وهيئته لا تأتي من فراغ، بل هي متأثرة سلباً، وإيجاباً، بما يحيط بها من مؤثرات ومشكلات ثقافية وحضارية، فإذا كانت هذه المؤثرات والعناصر الحضارية والثقافية غنية، وجيدة، فسيكون المردود الارتفاع بمستوى العقل، وجعله على مستوى الأحداث والتحديات أما إن كانت العناصر والمؤثرات الحضارية، فقيرة، ورديئة، فحتماً ستكون النتيجة، انحطاط مستوى العقل وضياعه .
العقل العربي كغيره من العقول البشرية، يصدق عليه ما يصدق عليها فهو يتأثر بما يحيط به، من ثقافة، وحضارة، سواء على المستوى المحلي، أو المستوى العالمي، ولكي نتعرف على واقع العقل العربي قبل الإسلام، يتطلب الأمر،أن نحلل، ونشرح، الفترة التاريخية تلك، لنرى ما أهم ميزاتها الثقافية والحضارية، ولكي نقف على أبرز ملامحها، وقنوات الثقافة السائدة، والموجودة في تلك الفترة. ماذا نعني بالعقل العربي ؟
يفرق لالاند Lalande بين نوعين من العقل، الأول هو العقل الفاعل أو المكّون، ويعني به: النشاط الذهني، الذي يمارسه الإنسان، وهذا النوع من العقل، يتوفر لكل بني آدم، عدا الحالات الشاذة، أو حالات التخلف العقلي. أما النوع الثاني، فهو العقل السائد، وهو يعني مجموعة القواعد والمبادىء، التي تقدمها الثقافة العربية، للمنتمين إليها، كأساس لاكتساب المعرفة، أو هو باختصار: النظام المعرفي.
لكي تتم عملية التشخيص بشكل موضوعي، يحتاج الأمر تحديد معالم الثقافة العربية، التي أسهمت في تشكيل، وتكوين العقل العربي .
إن واقع الإنسان العربي، لا يمكن فصله عن واقع بلاده الجزيرة العربية في ذلك الوقت، فأهم ما يميزها أنها صحراء قاحلة، نادرة الماء شديدة الحرارة في صيفها، وباردة في الشتاء، يقطنها العرب، وهم في حركة دائبة وراء الماء والكلأ . ارتباطاتهم العالمية محدودة ، بحكم انعدام وسائل المواصلات، والاتصالات الحديثة. الجمل والخيل، هو أساس حركة المواصلات، والغنم من أساسيات الثروة الحيوانية، بل الثروة العامة. التجارة أسلوب حياتي، ولكن ليس لكل الناس(لإيلاف قريشٍ . إلافهم رحلة الشّتاءِ والصيفِ ) ( قريش:1،2 ).
إذا كان هذا هو الواقع البيئي، المحيط بالإنسان العربي، كيف هو واقعه العقائدي. لقد ذكر القرآن حال العرب العقائدي قبل الإسلام، حيث إن الجزيرة العربية، كانت تعج بالأصنام، والأوثان، التي تعبد، ويتقرب من خلالها إلى الله (ما تعبدونَ من دُونهِ إِلاَّ أَسماءً سميتموهَا أنتم وآباؤكُمْ ) ( يوسف : 40 )، (قالوا نَعْبُدُ أَصْنَاماً فَنَظَلُّ لها عَكِفِين َ ) (الشعراء: 71 ).
وإذا كان عرب الجاهلية يؤمنون بوجود الله، فإنهم يبررون عبادتهم للأصنام والأوثان، من أجل تقريبهم من الله،( ما نَعْبُدهم إلاَّ لِيُقَربونَا إلى اللهِ زُلْفى ) (الزمر:3 ). إذن الانحراف، العقائدي متأصل في عرب الجاهلية قبل الإسلام، وهو بلا شك قد أثر على سلوكهم، وتصرفاتهم، وبنائهم العقلي، في نظرتهم للحياة، وفي علاقاتهم بعضهم بعضاً، ومع الآخرين.
الانتماء عند العربي في تلك الحقبة التاريخية، كان قائماً على الانتماء للقبيلة والعشيرة، القبلية في نسبها، في مرعاها، في موقعها، وفي مصالحها، وعلاقاتها مع غيرها.
لقد وجدت في الجزيرة العربية، وفيما حولها، قبائل عربية كثيرة، منها قريش، الخزرج، الأوس، تميم قحطان .. إلخ . ومن هذا الانتماء القبلي ، تشكل الانتماء المحدود بحدود هذه القبيلة، ولا غير، ومنه تحدث النشوة والافتخار.
إذا بلغ الفطام لنا صبي تخر له الجبابر ساجدينا
وإنا نورد الرايات بيضاً ونصدرهن حمراً قد روينا 




