لكن الفارق بين اوروبا والعرب هو ان اوروبا تمكنت، بالتدريج، من اقصاء الكنيسة عن مكانتها كحارسة علي الافكار واعلت من مكانة العقل كثيرا، بينما استطاعت السلفية العربية ان تنتصر علي الافكار النقدية منذ ذلك الزمن البعيد، اي منذ ان انتصر الغزالي علي ابن رشد. وهكذا ساهمت سيطرة الفقهاء علي الفكر في تنمية عوامل الركود التي ما زالت سائدة في حياتنا منذ ما قبل

السلاجقة حتي اليوم

 

.
ان الاسهام العربي في الحضارة الغربية المعاصرة لم يكن شاملا، بل اقتصر، الي حد كبير، علي بعض الكتابات العقلانية التي شكلت للغرب نقطة انطلاق الي التراث الاغريقي الفلسفي والفني. والحضارة العربية نفسها كانت، في احد وجوهها، نتاج الترجمة عن اليونانية التي برع فيها السريان ايما براعة. لكن الحضارة العربية لم تدم اكثر من قرنين، وبالتحديد في القرنين الثالث والرابع الهجريين فقط، بينما الحضارة الاوروبية مدت جذورها الي القرن الخامس قبل الميلاد. ولعل هذا الامر هو منشأ الغرابة بالفعل، فاذا كانت الحضارة العربية سبقت الحضارة الاوروبية الجديدة بقرون عدة، واعتمدت في جانب منها علي ترجمة فلسفة اليونان وعلومهم، وابدعت في هذا الفضاء المعرفي افكارا وعلوما ومعارف، فكيف صار ان الحضارة الاوروبية التي اعتمدت، في الاساس، علي نتاج العرب في هذا الحقل من المعرفة تفوقت علي الحضارة العربية واقصتها عن مكانتها؟

احسب ان الاجابة عن هذا التساؤل تحتاج الي اعادة النظر في المقولات التبجيلية الرائجة لدي العرب في هذا المجال، ولا بد، منهجيا علي الاقل، من اثارة الشكوك في صدقيتها وتاريخيتها. وفي اي حال، لم يخل صعود الحضارات وسقوطها علي مر العصور من دلالة تاريخية. ففي القديم كان الانحطاط يُفسر بأسباب غيبية، وطالما رأي المسلمون ان العلة في تخلف العالم الاسلامي تكمن في الابتعاد عن الدين. بينما ظهرت افكار كثيرة في الغرب حاولت تفسير ظاهرة التخلف بتفوق حضارات معينة ودونية علي حضارات اخري. وفي الحالتين كان النقد ينصب علي الجانب الثقافي والديني فقط في هذه الحضارة او تلك.
غير ان تحميل الثقافة الدور الرئيسي في تخلف العالم العربي فيه بعض المبالغة، فقد لعبت العوامل الجغرافية والجيوسياسية دورا حاسما في تقهقر المنطقة العربية وفي صعود الحضارة الاوروبية. ففي القرن العاشر الميلادي، علي سبيل المثال، كان عدد سكان العالم العربي نحو 30 مليون نسمة، وكان عدد سكان اوروبا في الفترة نفسها 30 مليونا ايضا. ولكن، في تلك الفترة تقريبا، ولأسباب مناخية بالدرجة الاولي، راحت اوروبا تشهد ازديادا مطردا في عدد سكانها، بينما كان العالم العربي يزداد جفافا مع ثبات عدد سكانه. ومع حلول القرن الخامس عشر الميلادي كانت اوروبا تتخطي حاجز المئة مليون نسمة، في حين لم يسجل العالم العربي اي تغيير في عدد سكانه، وفي الوقت نفسه كان فاسكو دي غاما يكتشف رأس الرجاء الصالح، الامر الذي افقد خطوط التجارة القديمة، ومنها طريق الحرير، اهميتها التجارية وادي الي انتقال مركز الثقل في التجارة العالمية من شرق البحر الابيض المتوسط الي غربه ثم الي المحيط الاطلسي، اي من ايدي العرب الي ايدي

 

 

الاوروبيين

.
وفي خضم هذه الاحوال المضطربة كان الاتراك يحتلون العالم العربي ويدخلونه في ركود طال 400 عام، ولم تنفع معه البتة محاولة استعادة السيطرة علي التجارة في المحيط الهندي من خلال شق قناة السويس. وهكذا راح الوضع الاستراتيجي للعالم العربي يتقهقر بالتدريج حتي اذا سقطت الدولة العثمانية في سنة 1917 بعد مرضها الذي بدأ في النصف الاول من القرن التاسع عشر فصاعدا، وجد العالم العربي نفسه وقد تحول الي جائزة منحت بأكملها الي الدول الاوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الاولي.

بين عقلين

ازاء هذا التخلف المروع الذي حاق بالعرب حينذاك، لم يتقدم العقل العربي الراكد قيد انملة في نقد الاوضاع التي جثمت علي صدور الناس كأهرام الجيزة، ولم ينجز المفكرون العرب، إلا اقلهم، اي مساهمة ذات قيمة في تفسير هذه الصيرورة المتراجعة وظل الفكر العربي عاجزا عن ابتداع طراز من التفكير النقدي الجريء الذي لا يخشي التصدي للعناصر الجوهرية في بنية الانحطاط العربي حتي لو كانت هذه العناصر ذات قداسة ومهابة وتبجيل..
لماذا كان الامر علي هذا النحو؟ وهل ثمة فارق بين العقل العربي و العقل الغربي ؟ وفي محاولة الاجابة اري انه في ما يتخطي العوامل الجغرافية والمناخية، فان العلة ربما تكمن في البدايات الاولي، اي في العقل التأسيسي مع التحفظ عن دقة المصطلح. وللمقارنة فان العقل الاغريقي الذي نشأ في الجزر البحرية المتناثرة، وفي لجج المجازفة والتحدي، ابتدع مفهوم البطل التراجيدي والاقدار المتعاكسة معا. اي ان الفرد المأساوي يعرف قدره منذ البداية ومع ذلك فهو لا ينفك متحديا اقداره متوسلا تغييرها بهذا التحدي الدائب. وفي معمعان هذا الصراع مع الاقدار فان الآلهة نفسها ربما تتغير فتبدل ارادتها ومسلكها، وربما تنقلب علي ما كانت قدرته سابقا. والآلهة لدي الاغريق متعددة، لهذا كان العقل لديه تركيبا، اي متعددا. بينما العقل العربي الذي نشأ في الفيافي والقفار وعند مفارق طرق التجارة الداخلية وفي الواحات التي تتطلع الي الماء من الغيوم العابرة، انجز مفهوم التسليم والانتظار والقضاء والقدر، مع ما في ذلك من بعض جوانب الاستكانة والخضوع للأقدار.
وحينما لاحت فرصة تاريخية لظهور حضارة عربية قوية، كان وعاء هذه الحضارة يتخذ شكل الدولة المستبدة التي عطلت اي تعددية ممكنة..
وللمقارنة ايضا فان العقل الغربي حينما انهي صراعه مع مع الخرافات انتقل الي الصراع مع الطبيعة فحصل التقدم، بينما العقل العربي حينما اقر بواحدية الحاكم واحادية السلطة ، انتقل الي الصراع مع البشر فحصل التخلف. ولعل التعدد والاختلاف جعل العقل الغربي غير متصادم مع الحرية، فالسلطات هي التي تصادمت طويلا مع الحرية، لكن العقلانية انتصرت في نهاية المطاف..
ولهذا ظهرت العقلانية النقدية التي هزت المحرمات، بينما واحدية التفكير عن العرب التي طالما استمدها جذورها من الحاكم الواحد ومن الدولة المركزية الواحدة انتجت المذهبية والتعصب، وعلي العموم فقد ظل الفكر الشرقي مرتبطا بالدولة المركزية الواحدة ، فلم يستطع ان يتحرر من هذه السلطة .

.
وبسبب هذه الاعاقة افتقر الي المغامرة والجرأة والروح النقدية، تماما مثلما افتقد الي البرهان المنطقي الذي هو عماد الفلسفة.
اما العقل لدي الغرب فهو الادراك، اي ادراك قوانين الوجود ثم تسخيرها لمصلحة الكائن العاقل. وهو، بهذا المعني، غير منفصل عن الكائن وله طبيعة شبه مادية. وهنا،  هذا الافتراق، ربما نعثر علي معضلة التقدم والتخلف التي خضعت لها المنطــقة العربية بأسرها منذ نحو 800

سنة