وكأن ب (ابن رشد) كان يتطلع بصورة خفيّة إلى إقامة دولة العقل، الدولة التي تكون فيها السلطة للفيلسوف وتكون الحكمة هي الدستور المهيمن عليها. إنه الحنين إلى المدن الفاضلة التي أقامها الفلاسفة في المشرق وعلى رأسهم الفارابي، ولربما كان هو أيضاً استحضار الأفلاطونية في صورة جمهورية للعقل ظلت على مستوى اللاشعور عند فيلسوفنا، لا سّيما أن هناك شروحاً له على جمهورية أفلاطون. غير أنّ يأس (ابن باجه) و(ابن طفيل) من المجتمع الذي كانا يعيشان فيه جعل (ابن رشد) يقصي فكرة الدولة المثلى، في عصر مثل عصر المرابطين والموحدين إلى نقطة تكاد تكون أبعد غوراً من اللاشعور ذاته غير أن الحلم هو واحد من العناصر التي يتفجر اللاشعور من خلالها في التعبير عن ذاته. ومع ذلك فإن (ابن رشد) لم يستطع حتى على مستوى الحلم، أن يشرع في مناقشة إمكان قيام دولة العقل.‏
فإن ما أراده (ابن رشد) من حرمان الجمهور من أي سلطة إنما هو تجنيب الفلسفة والبحث العقلي الحر أن يكونا ضحية لغضب الجمهور بتحريض من السلطة السياسية أو من بعض فئات الفقهاء. وقد اتخذ هذا الحرمان صورة حظر لإباحة التأويل وقصره على فئة معينة هم أصحاب الفطر الفائقة القادرون على النظر الفلسفي أو البرهاني.‏
وكحل أولي لمشكلة شيوع التأويل في الجمهور، نتيجة لما دونه (الغزالي) وغيره في كتبهم مما لم يكن يصح للجمهور أن يطلع عليه، فإن (ابن رشد)، في كتابه (مناهج الأدلة) يقول تعليقاً على ما حدث من التصريح بالحكمة للجمهور: "أما وقد وقع التصريح، فالصواب أن تعلم الفرقة من الجمهور التي ترى أن الشريعة مخالفة للحكمة أنها ليست مخالفة لها. وكذلك الذين يرون أن الحكمة مخالفة لها من الذين ينتسبون للحكمة أنها ليست مخالفة لها. وذلك بأن يعرف كل واحد من الفريقين أنه لم يقف على كنهها بالحقيقة، أعني لا على كنه الشريعة ولا على كنه الحكمة، وأن الرأي في الشريعة الذي اعتقد أنه مخالف للحكمة هو رأي إما مبتدع في الشريعة لا من أصلها، وإما رأي خطأ في الحكمة، أعني تأويل خطأ عليها، كما عرضت في مسألة الجزئيات وفي غيرها من المسائل. ولهذا المعنى اضطررنا نحن في هذا الكتاب أن نعرف أصول الشريعة، فإن أصولها إذا تؤملت وجدت أشد مطابقة للحكمة مما أوّل فيها. وكذلك الرأي الذي ظن في الحكمة أنه مخالف للشريعة يعرف أن السبب في ذلك أنه لم يحط علماً بالحكمة ولا بالشريعة. وهكذا ولذلك اضطررنا نحن أيضاً إلى وضع قول، أعني (فصل المقال في موافقة الحكمة للشريعة) (4).‏
وواضح أن الحل الرشدي حل غير ممكن أو متعذر تماماً: ذلك لأنه يتطلب العودة إلى ما قبل ظهور المشكلة، أو هو يريد أن يفترض أن المشكلة لم تكن، وهذا أمر مستحيل بالطبع. إنه يريد أن يقلب حركة الزمان تماماً، فيعود بالثمرة ليدفنها في البذرة! لقد تحقق (الوعي الجمهوري) ولم يعد من الممكن السيطرة عليه. صحيح أن (الوعي الجمهوري) كان ما يزال وعياً بسيطاً ساذجاً يمكن توجيهه واستغلاله من قبل الفئات التي احتكرت السلطة تقليدياً في المجتمع الإسلامي. غير أن الأمر المؤكد هو أن وعياً من نوع ما قد ولد في الجمهور. وهذا الوعي هو الإشارة الأولى العميقة في التاريخ الإسلامي إلى أن (الإنسان العادي) قد وعى أن من حقه أن يكون ذا رأي في أمور حياته ومعاده. إنه الميل الفطري إلى الحرية وإلى الترجمة عنها في نوع الممارسة الديمقراطية. غير أن المناقشات الفقهية والكلامية والفلسفية جعلت ممارسة هذا الحق في التعبير عن الذات للأكثرية حقاً مغترباً عن الذات، أعني أن المطالب الجوهرية والحقوق الإنسانية الأساسية قد اختفت وراء مصطلحات الفقه والفلسفة والكلام، وظن الناس من ثم أن النزاع إنما يدور حول هذه المسائل، في حين أنه كان يدور في الحقيقة على مسائل غيرها. ولكن الأقنعة قد غطت المشاكل الحقيقية وحجبتها بكل الحجب اللازمة من الفقه والكلام والفلسفة والتصوف، فغابت بذلك المشكلات الأساسية للإنسان في هذه الحضارة، وعلى رأسها قضية التعبير الحر عن الذات. وقد اكتمل هذا الحجاب بذلك التحالف الذي كان قائماً دوماً بين أكثر فئات المثقفين فاعلية، أعني الفقهاء، وبين السلطة السياسية.‏
والواقع أن (ابن رشد) كان يستشعر خوفاً لا حد له من الجمهور أو العامة، وذلك راجع إلى سرعة تأثر الجمهور بتحريض الفقهاء له، وخاصة إذا ما قيل له عن الفلاسفة بأنهم ملحدون زنادقة. ولعل هذا ما دفع (ابن رشد) إلى أن يضع نوعاً من المنطق أو المعايير المحددة لتعريف العامة - الذين هم جزء من الجمهور - وذلك فيما يبدو بقصد إضعاف أثر الفقهاء والمتكلمين على العامة أكثر منه بقصد احتقارهم والحط من شأنهم. أما العلماء، فهم في نظره الفلاسفة والحكماء أو أهل البرهان ومن في حكمهم.‏
والحقيقة أن (ابن رشد) يقيم نوعاً من التراتبية السياسية مستندة إلى قاعدة ثقافية على أساسين متباينين: أولهما هو التفاضل في الفطرة والجبلّة بين الناس، ومن الممكن النظر إلى ذلك على أنه نوع من الأساس الأنطولوجي للتفاضل فيما بين البشر. والثاني يستند إلى تقسيم صور الخطاب المختلفة في القرآن أوالشريعة بالاستناد إلى أن هناك تطابقاً بين كل صورة من صور الفطرة والجبلّة وبين صورة خطاب محدد تكون مطابقة لها. يقول (ابن رشد) "الناس في الشريعة ثلاثة أصناف: صنف ليس هو من أهل التأويل أصلاً وهم الخطابيون (5) الذين هم الجمهور الغالب. وذلك أنه ليس يوجد أحد سليم العقل يعرى من هذا النوع من التصديق. وصنف هو من أهل التأويل الجدلي، وهؤلاء هم الجدليون (6) بالطبع فقط، أو بالطبع والعادة. وصنف هو من أهل التأويل اليقيني، وهؤلاء هم البرهانيون (7) بالطبع والصناعة، أعني صناعة الحكمة" (8). وبذلك تكون صحة البرهان الرشدي أو مقدرته على الإقناع مستمدة من هذين العنصرين، وبالتالي فإن أي شك فيهما أو إضعاف لأحدهما قد يؤدي إلى إبطال الحجة بأكملها، ومن ثم إلى انهيار تصوره للسلطة القائم على هذين الافتراضين، وخاصة إذا ما أثبت المرء ل (ابن رشد) أن مقدماته هذه ليست مقدمات برهانية بل هي مقدمات خطابية تماماً.‏
ويعرف (ابن رشد) الجمهور - وهو يضم العامة وعلماء الكلام- بأنه "كل من لم يعنَ بالصنائع البرهانية، وسواء كان حصلت له صنعة الكلام أم لم تحصل له. فإنه ليس في قوة صناعة الكلام الوقوف على هذا القدر من المعرفة إذ أغنى مراتب صناعة الكلام، أن يكون حكمة جدلية لا برهانية. وليس في قوة صناعة الجدل الوقوف على الحق في هذا. فقد تبين من هذا القول القدر الذي صرح به للجمهور من المعرفة في هذا، والطرق التي سلكت بهم في ذلك" (9).‏
وأما الخواص أو الخاصة، في مقابل العامة، فهم عند (ابن رشد) "العلماء" (10)، أي أهل البرهان الذين هم أهل الفلسفة والحكمة على وجه الحصر. والفارق - في نظر (ابن رشد) بين معرفة الجمهور ومعرفة الخاصة أو العلماء هو "أن الجمهور يقتصرون.. على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس وأما العلماء فيزيدون على ما يدرك من هذه الأشياء بالحس ما يدرك بالبرهان.‏
.. والعلماء ليس يفضلون الجمهور.. من قبل الكثرة فقط، بل من قبل التعمق في معرفة الشيء الواحد نفسه، فإن مثال الجمهور في النظر إلى الموجودات مثالهم في النظر إلى المصنوعات التي ليس عندهم علم بصنعتها، فإنهم إنما يعرفون أمرها أنها مصنوعات فقط، وأن لها صانعاً موجداً. ومثال العلماء في ذلك مثال من نظر إلى المصنوعات التي عندهم علم ببعض صنعتها وبوجه الحكمة فيها. ولا شك أن
من حاله من العلم بالمصنوعات هذه الحال فهو أعلم بالصنائع، من جهة ما هو صانع، من الذي لا يعرف من ذلك المصنوعات إلا أنها مصنوعة فقط" (11).‏
ويمضي (ابن رشد) إلى ما هو أبعد من ذلك عندما يحدد مفهوم العلم كما يراه في حق الجمهور في مقابل مفهوم العلم من حق العلماء والخاصة فيقول: "فإن المقصود الأول بالعلم في حق الجمهور إنما هو العمل. فما كان أنفع في العمل فهو أجدر. وأما المقصود بالعلم في حق العلماء، فهو الأمران جميعاً، أعني العلم والعمل" (12).‏
وعلى ذلك يمكننا تصنيف (السلطة) - من حيث المبدأ عند (ابن رشد) - إلى ثلاثة أنواع، أو يمكن إدراج (السلطة) بحسب هذه الضروب في ثلاث درجات صعوداً أو هبوطاً. وهذا التصنيف لدرجات (السلطة) يستند إلى أساسين، أحدهما أنطولوجي والآخر منطقي معرفي، كما قلنا، أي ابتداء من العامة وهم أكثر الجمهور وطريقة تفكيرهم خطابية؛ ثم خاصة الجمهور - إن جاز التعبير- وهم علماء الكلام أو المتكلمون، وطريقتهم في التفكير جدلية؛ ثم تأتي قمة الهرم حيث الأقلية والصفوة وهو العلماء أو الخاصة، وطريقة تفكيرهم برهانية تأويلية، فهم ينفردون بالمنهج البرهاني في المعرفة والتدليل، ويمتازون بأن من حقهم تأويل ظاهر الشرع إذا ما بدا لهم أن هناك تناقضاً بين البرهان وظاهر الشرع.‏
وهذا التصنيف للـ (السلطة) القائم على تفاضل الفطر والجبلات يستند في الحقيقة إلى إيمان كل مسلم بأن الشريعة الإسلامية شريعة صادقة حقيقية إلهية تؤدي بكل مسلم إلى المعرفة باللّه وبمخلوقاته، وأن ذلك - في نظر (ابن رشد) - "متقرر عند كل مسلم من الطريق التي اقتضتها جبلّته وطبيعته من التصديق. وذلك أن طباع، الناس متفاضلة في التصديق: فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالأقاويل الجدلية تصديق صاحب البرهان بالبرهان، إذ ليس في طباعه أكثر من ذلك، ومنهم من يصدق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية (13). ومن ذلك يتضح أن الشريعة لا تقرر طرق التصديق التي ينتهي إلى اليقين بفضلها هذا الإنسان أو ذاك، وإنما هي تصف هذه الطرق وتبينها على سبيل الوصف والإبانة، فتكون الشريعة بذلك متبعة لماهيات الأشياء وليست واضعة لهذه الماهيات، ويكون بذلك للحقائق نوع من الاستقلال عن الشريعة، بل تكون الشريعة تابعة لهذه الحقائق متبعة لها ومقرة لها، مؤكدة أن وجه اليقين آت من اتباع الشريعة للماهيات وليس العكس.‏
والواقع أن الشريعة الإسلامية تستمد قيمتها من كونها دعت الناس إلى الحق من هذه الطرق الثلاث، وذلك لأنها شاملة لكل فطرة وجبلة، بحيث تجد كل فطرة أو جبلة طريقتها الخاصة في التصديق والاعتقاد في هذه الشريعة. ولذلك يقول (ابن رشد): "وذلك أنه لما كانت شريعتنا هذه الإلهية قد دعت الناس من هذه الطرق الثلاث عمّ التصديق بها كل إنسان، إلا من جحدها عناداً بلسانه، أو لم تتقرر عنده طرق الدعاء فيها إلى الله لإغفاله ذلك من نفسه. ولذلك خُص عليه السلام بالبعث إلى الأحمر والأسود، أعني لتضمن شريعته طرق الدعاء إلى الله تعالى. وذلك صريح في قوله تعالى: (ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل 125 (14).‏
وهذا يعني أن مصدر الكلية ليس قائماً في الشريعة، وإنما هي ذاتها تستند إلى الكلية القائمة خارجها وهي كلية الحقيقة التي أقامت عليها الشريعة طرق الدعاء إلى الله تعالى ولما كانت هذه الطرق هي ذاتها التي عرفتها الفلسفة أو الحكمة قبل ورود الشرع بها، كانت الحكمة أو الفلسفة هي مصدر الكلية التي يستند الشرع في حكمه على الحقيقة وفي الخضوع لها إلى هذه الكلية أو إلى هذه الحقيقة القائمة خارج الشريعة ذاتها. وهكذا تصبح الفلسفة هي الأصل والشريعة الفرع، أو تكون الشريعة هي تطبيق - بينما تكون الفلسفة هي التنظير، ومن ثم يكون العقل هو المستقبل والشرع هو التابع. وبذلك تكون (السلطة) الأولى عند (ابن رشد) هي (سلطة) العقل التي لا تنفصل عن (سلطة) المعرفة و(سلطة) الحقيقة.‏
بينما تظل الحكمة أو الفلسفة في هوية مع ذاتها بوصفها (السلطة) الأولى سواء من حيث إنها تشرع لغيرها أو من حيث إنها المعيار الذي يسترشد به كل ما عداها، فإننا نجد أن التباين بين فطر الناس وتفاضلها في طرق التصديق قد أدى - في نظر (ابن رشد) - إلى ازدواجية للشرع أصبح للشرع بمقتضاها ظاهراً وباطناً من ناحية وأدى من ناحية أخرى إلى ورود الظواهر المتعارضة فيه أيضاً. ويقرر (ابن رشد) أن: "السبب في ورود الشرع فيه الظواهر والباطن هو اختلاف فطر الناس وتباين قرائحهم في التصديق. والسبب في وجود الظاهر المتعارضة فيه هو تنبيه الراسخين في العلم على التأويل الجامع بينها. وإلى هذا المعنى وردت الإشارة في قوله تعالى (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأُخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب) آل عمران 7" (15) فظاهر الشرع مرتبط بالفطر الأضعف والأدنى وباطنه للفطر الأرقى والأقوى و(التأويل) هو الوساطة التي تحقق التقارب بين مستويات الفطر المختلفة هبوطاً وصعوداً. أو إن (التأويل هو الوساطة التي تضمن تحقيق نوع من الوحدة بين الأفراد المتباينين فيكون من شأن التأويل خلق منطقة يلتقي فيها جميع الأفراد على اختلاف فطرهم وتباين مستوى قرائحهم) مما يؤدي إلى إضفاء نوع من الوحدة على التنوع والكثرة التي هي حقيقة واقعة في كل مجتمع إنساني.‏
ومعنى (التأويل) عند (ابن رشد) هو "إخراج دلالة اللفظ من الدلالة الحقيقية إلى الدلالة المجازة - من غير أن يخل في ذلك بعادة لسان العرب في التجوز- من تسمية الشيء بشبيهه أو بسببه أو لاحقه أو مقارنه أو غير ذلك من الأشياء التي عددت في تعريف أصناف الكلام المجازي" (16).‏
وبناء على ذلك فإن (ابن رشد) يؤكد أنه في الوسع دائماً العثور على نوع من التوافق بين الشريعة والحقيقة بواسطة (التأويل) ف (التأويل) هو الوساطة التي تسمح دائماً بالارتقاء بالشريعة إلى مستوى الحقيقة ولذلك فالمعيار دائماً، أو (السلطة) إن جاز التعبير، هو النظر البرهاني، كما أن (السلطة) المؤكدة بصورة دائمة هي دائماً للنظر البرهاني ولأصحابه، أي لأصحاب الفطر الفائقة والمتميزة على أصحاب أهل الفطر الجدلية والخطابية، أي الجمهور بفرقتيه المتكلمين والعامة معاً. ولذلك يؤكد (ابن رشد) هذا الاتجاه في التفكير إذ يقول: "ونحن نقطع قطعاً أن كل ما أدى إليه البرهان وخالفه ظاهر الشرع إن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي. وهذه القضية لا يشك فيها مسلم ولا يرتاب بها مؤمن". (17).‏
وأما الصورة التطبيقية ليقين (ابن رشد) هذا فإنها في الحقيقة تستند إلى مقدمة تقبل النقاش وتستحق الفحص، وذلك لأنها ربما لم تكن برهانية، بل ربما كانت خطابية وفي أحسن الأحوال جدلية. يقول (ابن رشد) عن الشريعة الإسلامية: "إذا كانت هذه الشريعة حقاً، وداعية إلى النظر المؤدي إلى معرفة الحق، فإنا معشر المسلمين نعلم على القطع أنه لا يؤدي النظر البرهاني إلى مخالفة ما ورد به الشرع. فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له" (18). وخلاصة هذه المقدمة أن النتائج التي ينتهي إليها النظر البرهاني لا بد أن تكون مطابقة لما يقرره الشرع من حقائق، أو هي على الأقل لا يمكن أن تكون مخالفة له. والظاهر من النص هنا أن النظر البرهاني يقاس على الحقائق الشرعية، أو أن الحقائق البرهانية لا بد لها من أن تكون مطابقة للحقائق الشرعية. ولكن (ابن رشد) عندما يقدم لنا الصورة النظرية العامة التي تسمح بتطبيق هذه المقدمة نراه يقرر أنه" إن أدى النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلو ذلك الموجود أن يكون قد سكت عنه في الشرع أو عرف به. فإن سكت عنه، فلا تعارض هنالك، وهو بمنزلة ما سكت عنه من الأحكام فاستنبطها الفقيه بالقياس الشرعي. وإن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقاً لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفاً فإن كان موافقاً، فلا قول هنالك. وإن كان مخالفاً، طُلب هنالك تأويله" (19) ومن ذلك يتضح أن (السلطة) النهائية - في نظر (ابن رشد) - إنما هي المعرفة البرهانية، بينما الشرع تابع لها وعليه أن يتكيف لشروطها أو أوضاعها ومقاصده. ذلك أن المعرفة البرهانية تقف أمام ثلاثة احتمالات، فإما أن تنتهي إلى المعرفة بموجود سكت عنه الشرع، وفي هذه الحالة للمتفلسف أن يستنبط كما يستنبط الفقيه الحقائق أو الأحكام التي لم ترد صراحة في الشرع، والاحتمال الثاني أن تكون المعرفة البرهانية تنتهي إلى موجود أو حقيقة مطابقة للشرع، فلا يكون ثمة مشكلة. والاحتمال الثالث أن تنتهي المعرفة البرهانية إلى ما هو مخالف لظاهر الشرع، فيكون (التأويل) في هذه الحالة ضرورة لا بد منها. ومن ذلك يتضح أن الاحتمال الثالث - احتمال (التأويل) - هو الوساطة أو (السلطة) التي أمكن بها ل (ابن رشد) أن يوحد الأضداد ويرد المتنوع والمتكثر إلى الهوية والتجانس.‏
ولكن تبقى الحقيقة هي أن (التأويل يشهد على أن الحقيقة الشرعية هي التي يجب أن ترتد إلى الحقيقة العقلية. وبذلك تكون (السلطة) الأولى في فكر (ابن رشد) هي (سلطة) المعرفة البرهانية والحقيقة العقلية التي تستخدم التأويل من أجل رد كل ما يبدو غير مطابق للعقل إلى العقل، ومن أجل التأكيد على أن السيادة النهائية في العالم إنما هي السيادة للعقل على كل ما عداه وعلى الشريعة أيضاً. ولما كان العقل ومقاييسه وكل براهينه إنما هي إنسانية، فإنه بالوسع، انطلاقاً من هذا الاعتبار النظر إلى (ابن رشد) على أنه مؤسس للنزعة الإنسانية في الثقافة العربية. فليس من معنى لمنح (السلطة) الأولى للعقل من ناحية، وإلحاق الحقيقة الشرعية من ناحية أخرى بعمل العقل وبالحقائق العقلية، إلا أن يكون الإنسان هو النقطة المركزية في هذا العالم وأن تكون سلطته، وبخاصة سلطته العقلية، هي (السلطة) العليا في هذا العالم

 

http://www.jawlan.org/openions/read_article.asp?catigory=43&source=6&link=2756