التسوية بين الحقوق والواجبات هي العدل الذي فرضته الفلسفة القرآنية للمرأة، وهو هو وضع المرأة في موضعها الصحيح من الطبيعة ومن المجتمع، ومن الحياة الفردية، فمن اللجاجة الفارغة أن يقال: إن الرجل والمرأة سواء، في جميع الحقوق وجميع الواجبات!
<لأن الطبيعة لا تنشيء جنسين مختلفين لتكون لهما صفات الجنس الواحد، ومؤهلاته، وأعماله وغايات حياته·· فلم يكن جنس النساء سواء لجنس الرجال قط في تاريخ أمة من الأمم التي عاشت فوق هذه الكرة الأرضية على اختلاف البيئات والحضارات>(1)·
وتدور مسألة المرأة في جميع العصور على جوانب ثلاثة، تنطوي فيها جميع المسائل الفرعية التي تعرض لها في حياتها الخاصة أو حياتها الاجتماعية· وهذه الجوانب الثلاثة هي(2):
أولاً: صفتها الطبيعية، وتشمل الكلام على قدرتها وكفايتها لخدمة نوعها وقومها·
ثانياً: حقوقها وواجباتها في الأسرة والمجتمع·
ثالثاً: المعاملات التي تفرضها لها الآداب والأخلاق، ومعظمها في شؤون العرف والسلوك·
<والحقوق والواجبات التي قررها كتاب الإسلام للمرأة قد أصلحت أخطاء العصور الغابرة في كل أمة من أمم الحضارات القديمة، وأكسبت المرأة منزلة لم تكسبها قط من حضارة سابقة· ولم تأت بعد ظهور الإسلام حضارة تغني عنها>(3)·
عناية القرآن والسنة بالمرأة
لقد عنى القرآن الكريم بشؤون المرأة في كثير من سوره، حتى عرفت إحدى السور بـ (سورة النساء الكبرى) وعرفت أخرى بـ (سورة النساء الصغرى) وهما: سورة النساء (الرابعة في ترتيب المصحف) وسورة الطلاق (الخامسة والستون في ترتيب المصحف)·
وهذا يدل على أن للمرأة مكانة عظيمة في نظر الإسلام، وأنها مكانة لم تحظ بمثلها المرأة في أي شريعة أخرى· بل ولا في أي مجتمع إنساني على مر العصور حتى يومنا هذا·
وسنلقي الضوء على قضية المساواة بين الرجل والمرأة في المنظور الإسلامي، وفي <وثيقة حقوق الإنسان في الإسلام> وكذلك في نصوص <الإعلان العالمي لحقوق الإنسان> الصادر العام 1948، والذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة·· وذلك على النحو التالي:
1 ـ إن القرآن الكرين لم يفاضل بين الرجل والمرأة في الجانب الإنساني، وإنما يكون التفاضل فيما يكتسبه الإنسان ـ رجلاً أو امرأة ـ من الصفات والأخلاق التي تسمو به إلى أفضل المستويات·
قال تعالى: (يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) الحجرات:13·
2 ـ وحين سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم <من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك· قال: ثم من· قال: أمك· قال: ثم من، قال: أمك، قال: ثم من، قال: أبوك>(4)·
ويعلق الإمام الراحل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق على هذا الحديث بقوله: <وتخصيص الأم بهذا القدر من العناية جاء تنظيما لما تقضي به فطرة الخلق والتكوين، وجزاء عاطفة الشفقة التي أودعها الله قلب المرأة لولدها، وبها احتملت مشاق الحمل والولادة والإرضاع، وجهود التربية الأولى، والسهر على حفظ المولود في صحته وسلامته بما يؤهله إلى اجتياز مراحل الحياة>(5)·
3 ـ لقد أضاف الإسلام إلى ما سبق تأكيداً جديداً في مجال المساواة والتكريم، وذلك في صورة الخلق، فهي رحم واحدة، ونفس واحدة، وماء واحد، يخرج من بين الصلب والترائب قال سبحانه: (يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحد وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام> النساء:1·
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (النساء شقائق الرجال)(6) أي مخلوق بشري قبل أن تكون أنثى·
حقوق المرأة المدنية
لقد سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية بمختلف أنواعها، فأعطى المرأة الحقوق المدنية نفسها التي أعطاها الرجل، لا فرق في ذلك بين وضعها من قبل الزواج ووضعها من بعد·
فمن قبل الزواج يكون للمرأة في نظر الإسلام شخصيتها المدنية المستقلة عن شخصية أبيها أو من هي تحت رعايته·
(فإن كانت بالغة يحق لها أن تتعاقد وتتحمل الالتزامات وتملك العقار والمنقول وتتصرف فيما تملك، ولا يحق لوليها أن يتصرف أي تصرف قانوني في شيء من أموالها إلا إذا أذنت له بذلك، أو وكلته في إجراء عقد بالإنابة عنها، وفي هذه الحال يحق لها أن تلغي وكالته وتوكل غيره إذا شاءت)(7)·
(ويجيز الإسلام لها كذلك أن تختار الزوج الذي تريده اختياراً حراً، ويحظر <الإسلام> أن تزوج البالغة العاقلة من دون رضاها، وإذا كانت ثيباً فلابد من رضاها في صورة صريحة، وإن كانت بكراً اكتفى بما يدل على رضاها كسكوتها عند أخذ رأيها·
لأن البكر قد يغلب عليها الحياء فتخجل من إظهار رغبتها في الزواج، وفي هذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم·· <تستأمر النساء في أبضاعهن، والثيب يعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها، فإن سكتت فقد رضيت> وفي رواية <وإذنها صماتها>(8)·
أهلية المرأة
على أن الزواج لا يفقد اسمها ولا أهليتها في التعاقد، ولا حقها في التملك، بل تظل المرأة المسلمة بعد زواجها محتفظة باسمها واسم أسرتها· وبكامل حقوقها المدنية وبأهليتها في تحمل الالتزامات، وإجراء مختلف العقود، من بيع وشراء ورهن وهبة ووصية·· وما إلى ذلك·
(فالمرأة المتزوجة في الإسلام لها شخصيتها المدنية الكاملة وثروتها الخاصة وذمتها المالية وهي في هذا كله مستقلة عن شخصية زوجها وثروته وذمته)(9)·
ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئاً من مالها، سواء قل ذلك أو كثر· قال تعالى: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثما مبينا) النساء:20·
(هذه هي المساواة التي شرعها القرآن الكريم بين الرجل والمرأة أو بين الزوج والزوجة أو بين الذكر والأنثى، ولا صلاح لمجتمع يفوته العدل في هذه المساواة، ولاسيما المجتمع الذي يدين بتكافؤ الفرص ويجعل المساواة في الفرصة مناطاً للإنصاف)(10)·
فللمرأة مثل ما للرجل، وعليها مثل ما عليه (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف)·
المرأة في الشرائع السابقة
ويظهر من ذلك سمو تلك المبادئ الإسلامية إذا ما قارناها بالشرائع السابقة للإسلام فالشريعة اليهودية مثلاً تجرد المرأة من معظم حقوقها المدنية في مختلف مراحل حياتها، وتجعلها تحت وصاية أبيها وأهلها قبل زواجها، وتحت وصاية زوجها بعد زواجها، وتنزلها في كلتا الحالين منزلة تقرب من منزلة الرقيق· بل إنها لتبيح للوالد المعسر أن يبيع ابنته بيع الرقيق لقاء ثمن يفرج به أزمته· (انظر الفقرات 7 ـ 12 من الإصحاح الحادي عشر من سفر الخروج)(11)·
ولا يقف سمو المبادئ الإسلامية في هذا الصدد بالموازنة بينها وبين الشرائع السابقة لظهور الإسلام فحسب، بل يبدو سمو تلك المبادئ الإسلامية بموازنتها بالشرائع التي تسير عليها أمم الغرب في العصر الحاضر·
فهذه المنزلة من المساواة التي قررها الإسلام بين الرجل والمرأة في الحقوق المدنية لم تصل إلى مثلها أحدث القوانين في أرقى الدول الديموقراطية·
<فحالة المرأة المتزوجة في فرنسا مثلاً كانت حتى عهد قريب أشبه شيء بحالة القصور المدني، فقد جردها القانون الفرنسي من صفة الأهلية في كثير من الشؤون المدنية>(12)·
ومن دلائل ذلك أن قوانين بعض الدول الأوروبية وأعرافها تقضي بأن المرأة لمجرد زواجها تفقد اسمها واسم أسرتها، فلاتسمى باسم أبيها، وإنما تسمى باسم زوجها وأسرته·
حق المرأة في التعبير
ولم يقف الإسلام عند هذا الحد من المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق والواجبات، فللمرأة ـ في الإسلام ـ حق التفكير لتصل إلى الرأي القويم· ولقد شاركت النساء في الأخذ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قلن له: يا رسول الله لقد غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك، كما جعلت لهم، فجعل لهن يوماً وعظهن فيه(13)·
وفي قصة <خولة بن ثعلبة> مع زوجها <أوس بن الصامت> ـ رضي الله عنهما ـ أعلى درجات الفكر النسائي، وحرية القول وحق التعبير، ومدى احترام الإسلام لرأي المرأة حتى إنه ـ سبحانه ـ جعل شكواها تشريعاً عاماً في حكم الظهار، على نحو ما جاء في سورة المجادلة: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير) المجادلة:1·
المساواة في المسؤولية والجزاء
لقد انتهج الإسلام منهجاً قويماً في ميدان العبادة من حيث الثواب والعقاب والجزاء على العمل، فالمرأة كالرجل لا تقل عنه في مطلق المسوؤلية، وأن عملها معقود بما جنت يداها، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر!!
قال تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) النحل:97·
ثم يرسم الله ـ سبحانه وتعالى ـ صورة كاملة للمساواة بين الرجل والمرأة، وأنهما يقفان في نظام الإسلام، من حيث المسؤولية والجزاء على منصة واحدة، فيقول:
(إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعدَّ الله لهم مغفرة وأجرا عظيماً) الأحزاب:35·
وفي مساواة المرأة بالرجل في الحدود قوله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم· فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم) المائدة:38ـ39· حيث سوت الآية نصاً بين الرجل والمرأة في حد السرقة وفي التوبة·
ومن تمام المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام ـ كما يقول فضيلة الإمام الراحل الشيخ جاد الحق: (إن كان دمها مساوياً لدمه، والحكم فيهما واحد إذا وجب القصاص)(14)· وذلك قول الله ـ سبحانه ـ في سورة البقرة (يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى····) البقرة:178·
وقال تعالى: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا) النساء:124، وقال عز وجل: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) آل عمران:195·
ففي هاتين الآيتين ـ وغيرهما ـ يقرر القرآن الكريم: أن المرأة ذات مسؤولية مستقلة عن مسؤولية الرجل· فهي مسؤولة عن نفسها، وعن عباداتها، وعن معاملاتها، وعن أسرتها، وعن أمتها، ولا تقل في ذلك عن الرجل بحال من الأحوال·
(وليس أدل على مساواة المرأة في المسؤولية كالرجال سواء بسواء من أن للنساء حق البيعة كالرجال، وهذا يعني أهليتهن الكاملة للوفاء بمقتضيات العهود والمواثيق التي تعتبر من أخطر الأمور في الإسلام)(15)·
قال تعالى: (يأيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئاً ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم) الممتحنة:12·
وبعد:
فهذه أمثلة من القرآن الكريم تدل بوضوح على أن الإسلام قد كرم المرأة، فهي في أصول العقيدة تحمل أمانة إنسانيتها كاملة، وتكاليف رشدها، أصالة، فحقوقها مصونة، وواجباتها ملقاة على عاتقها·
تلك المساواة التي كفلها الإسلام للمرأة باعتبارها إنساناً كامل الإنسانية في حين أن المرأة الغربية ـ وبالجملة غير المسلمة ـ في هذا العصر الذي يتنادون فيه بحقوق الإنسان بعامة، وحقوق المرأة بخاصة، لم تصل إلى هذه الحقوق التي قررها الإسلام·
<ففي كثير من البلاد غير الإسلامية تنمحي ـ بالزواج ـ ذاتية المرأة وتنسلخ من أسرتها، وتنسب إلى زوجها، ولا تملك التصرف في أموالها>(16)·
حق المرأة في الميراث شرعاً
وليس من نافلة القول أن نشير إلى أن العرب في الجاهلية كانوا يعتبرون المرأة جزءاً من الثروة، ولهذا فإن الأرملة كانت تعد ميراثاً لإبن المورث، وكانت هذه العادة الظالمة جارية بصفة خاصة بين قبائل اليمن الذين كانوا يعيشون مع الإسرائيليين والصابئين، وكان تعدد الزوجات شائعاً في جميع قبائل العرب من دون شرط وتحديد حد·
الهوامش:
(1) عباس العقاد، الفلسفة القرآنية، فصل المرأة، ص41·
(2) المرأة في القرآن، عباس العقاد، دار نهضة مصر، القاهرة، د· ت، المقدمة، ص4 وما بعدها·
(3) المرجع السابق، ص6 <المقدمة>·
(4) رواه البخاري، أول كتاب الأدب·
(5) جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر، يرحمه الله، رسالة دكتوراه: حول إتفاقية القضاء على أشكال التمييز ضد المرأة من المنظور الإسلامي، يوليو 1995، هدية مجلة الأزهر، ص11 وما بعدها·
(6) رواه أبو داود والدارمي·
(7) د· علي عبدالواحد وافي: المرأة في الإسلام، ص7 ـ 8·
(8) رواه البخاري في صحيحه·
(9) د· وافي، المرأة في الإسلام، ص13·
(10) عباس العقاد، المرأة في القران، مرجع سابق، 67·
(11) د· وافي، المرأة في الإسلام، المرجع السابق، ص15·
(12) د· وافي، المرجع السابق، ص02·
(13) رواه البخاري في كتاب العلم: 1/63 وأحمد: 3/24·
(14) الشيخ جاد الحق، الرسالة السابقة، ص25 وما بعدها·
(15) مكانة المرأة في اليهودية والمسيحية والإسلام، لواء أحمد عبدالوهاب، دراسات إسلامية، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، القاهرة، 1998، ص122·
(16) الشيخ جاد الحق، الرسالة السابقة، ص31