أدب السجن في الشعر الشعبي

التوم والغرّا وليالي قصيّر * * وأنا بحبسٍ صك بابه وأنا بيه

 


قاسم الرويس

    مدخل :

يظهر أدب السجن كجزء من الأدب العربي منذ عهد بعيد تمتد جذوره إلى العصر الجاهلي وتتنامى أغصانه على طول عصور الشعر العربي إلى العصر الحديث الذي تشكل فيه هذا الأدب كمصطلح وتفرع من الشعر إلى القصة والرواية وغيرها ،ومن المعلوم أن هذا الأدب يتمحور حول معاناة السجين من السجن والسجان ونظراً لصدق العاطفة فقد تولدت عن هذا الأدب نصوص إبداعية خالدة فقصيدة الحطيئة(ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ) وقصيدة الفرزدق (إن الذي سمك السماء بنى لنا) وبيت العرجي (أضاعوني وأي فتى أضاعوا) كلها نصوص ولدت في السجن وكذلك روائع أبي فراس الحمداني والمعتمد بن عباد .

ومن الشعراء الآخرين الذين دخلوا غيابه السجن بطريقة أو أخرى فتجلت تجربتهم القاسية في شعرهم حزناً عميقاً ومشاعر جياشة تذيب القلوب، وتلهب الجوانح عدي بن زيد، وطرفة بن العبد، والكميت، والمتنبي، وعلي بن الجهم،وابن المعتز،وهدبة بن خشرم ،وأبوالعتاهية، ،وابن الدمينة،وابن زيدون، وعبد الله بن معاوية القائل يصف حال السجناء:

خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها

فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا

إذا دخل السجّان يوماً لحاجةٍ

عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا

ونفرح بالرؤيا فجلّ حديثنا

إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا

فإن حسنت كانت بطيئاً مجيئها

وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا

أدب السجن في الشعر الشعبي :

لاشك أن أدب السجن في الشعر الشعبي يزخر بنماذج مضيئة وإبداعات محلقة لأن المعاناة عند الجميع واحدة وعلى مدى عصور العامية لم ينقطع الشعر الشعبي عن معالجة تجربة السجن في قالب إبداعي حزين يبعث على التعاطف مع الشاعر دائماً ولكن هذا الاتجاه في شعرنا الشعبي لم يحظى بالدراسة والاهتمام ومن أقدم نماذج هذا الأدب ما ذكره ابن بسام في تحفة المشتاق عن سجن الشاعر أبوعنقا في آخر القرن الثالث عشر الهجري والذي قام بنظم قصيدة يحرض آل عريعر على استعادة ملكهم في الأحساء فكان لقصيدته أثرها ومن قصيدته :

وأنا لولاي مملوك لغيري

عنيت وجيتكم لو كنت حافي

ولكني كما القنفذ بخطة

ولو هو شاف منها ما يعاف

بهجر هجرت رجلي وزندي

وشربت المر هو ويا العزافي

وهذا قول من شفق عليكم

وجيع الكبد ملوي الكتاف

صديق صادق صاح عديم

تكلف بالقوافي للملافي

ومن القصص التي تتداولها الذاكرة الشعبية قصة سجن ابن عريعر للشاعر شايع الأمسح وهي من الشهرة بمكان يغني عن ذكر تفاصيلها ومن أبيات الأمسح وهو في السجن كما جاءت عند ابن عقيل في كتابه (أنساب الأسر الحاكمة بالأحساء2/256):

مضى لي ثمان سنين في حبس خير

وبالتاسعة جاني صدوق الفعايل

جاني غلام مابعد خط شاربه

ولاجال في قلبه من الهم جايل

ودنق علي مضنون عيني وحبني

وهلت عبارة فوق صدري شلايل

وأنا الحديد بساق رجلي مغلق

ربيط كما حر شبك بالحبايل

تعيش يا غمرٍ سطا ليلة الدجا

وأطفى بصدري حاميات الغلايل

هديته على درب صعيب ولا هبا

ونهب ورع من هدّى جميع القبايل

واقفى على الوضحا كما الهيق وصفها

ومن يرى وشاف الربد مثله حفايل

ربطني كبير الجاه يطلب فطايري

وضح ربن بديار زوبع جلايل

ويطلب جوادين من الخيل غيرهن

يعرف انهن من مكرمات الأصايل

وعيّوا بهن غلبا على واضح النقا

وفكوا رباطي مقدمين الفعايل

وقصة سجن الشاعر راكان بن حثلين (ت1313ه) قصة تاريخية موثقة حيث سجنته الدولة العثمانية في نيش سبع سنوات من 1288ه إلى جمادى الأولى1294ه فعاد وكان له بعد عودته صولات وجولات ومن قصائده أثناء سجنه يخاطب السجان حمزة :

أخيل ياحمزة سنا نوض بارق

يفري من الظلماء حناديس سودها

على ديرتي رفرف لها مرهش النشا

وتقفاه من دهم السحايب حشودها

فيالله يالمطلوب ياقايد الرجا

ياعالم نفسي رداها وجودها

إنك توفقها على الحق والهدى

مادام خضرا مابعد هاف عودها

وأبدل لها عسر الليالي بيسرها

وجل المشاكل فل عنها عقودها

وكبد من أسقام الليالي مريضه

عليها من جمر اللهايب وقودها

تقطعت الأرماس عنا ولا بقي

إلا ودود دايم في وجودها

حبيبي ومقصودي لعبده إلى عطا

وهايب فضله ماتقاس مدودها

فيا حظ من ذعذع على خشمه الهوى

وتنشى من أوراق الخزاما فنودها

ومن قصيدة أخرى وهو في السجن :

لا وهني يا طير من هو معك حام

ولا أنت تنقل لي حمايض علومي

ومنها:

ربعي ورا الصمان وأنا بالأورام

من دونهم يزمي بعيد الرجومي

ومن دونهم حوران ضلعٍ بعد زام

دارٍ أهلها ما تعرف السلومي

وممن عاش معاناة السجن كما ذكر السويداء في كتابه(فتافيت 1/35) الشاعر راشد الهجلي الشمري (ت 1330ه) حيث توعده محمد الرشيد لسبب ما وظل مدة هارباً خائفاً ثم عاد إلى أهله بقرب حائل فوجد أن زوجته توفيت في غيابه وتركت له ابنه الصغير الذي بقي عند عمه ، ثم أودع السجن فعلم بعد فترة من سجنه أن ابنه هرب من عمه ولجأ إلى خاله بسبب قسوة عمه عليه ،وذات يوم دخل الأمير على السجناء متفقداً ومر على الهجلي وحدث بينهما كلام فوجه له الشاعر هذه الأبيات :

التوم والغرا وليالي قصيّر

وأنا بحبس صك بابه وأنا بيه

ولا همني المعتزي والمعيّر

ولا همني المال لو كثر عانيه

ماهمني غير الوريع الصغيّر

اللي تربع وسط قلبي دواديه

يذكر فرك عمه ويتلي سميّر

يتلي الليان ومن لقى اللين يتليه

فوجم ابن رشيد وأطرق ثم عفا عنه ففكوا قيده وأخرجوه ومنحه مكافأة مجزية.

وختاماً نكتفي بهذه النماذج رغم وجود الكثير من شواهد هذا الأدب في الشعر الشعبي كالشاعر جريس بن جلبان أو مبارك العقيلي أو محمد العوني أوعبدالرحمن آل عودة أو سعود بن شاجع الدوسري وغيرهم كثير ...